في خضم السباق العالمي نحو تبني أحدث التقنيات، تبرز الأنظمة الذكية والذكاء الاصطناعي كأدوات واعدة تحمل معها وعوداً براقة للحكومات: كفاءة غير مسبوقة، قرارات موضوعية تستند إلى بيانات ضخمة، وتخليص الإدارة العامة من عبء البطء والبيروقراطية. هذا البريق التكنولوجي، رغم جاذبيته وقدرته الفعلية على إحداث تحسينات هائلة، قد يخفي وراءه تبعات عميقة وخطيرة إذا ما تحول الاعتماد عليها من “تمكين” إلى “تفويض” أعمى. إن الاعتماد المفرط على الأنظمة الذكية في اتخاذ القرار الحكومي ليس مجرد تحديث تقني، بل هو تحول جوهري يمس طبيعة السلطة، ومفهوم المساءلة، وأسس العلاقة بين الدولة والمواطن، مما يستدعي وقفة تحليلية نقدية لفهم هذه التبعات وإدارتها بحكمة استباقية.
أولى هذه التبعات وأكثرها تأثيراً على جوهر الخدمة العامة هي تآكل مساحة التقدير الإنساني والحكمة العملية. فالعمل الحكومي، خاصة في نقاط التماس المباشر مع الجمهور، لا يعتمد فقط على تطبيق القواعد بشكل صارم، بل يتطلب مرونة وتعاطفاً وفهماً للسياقات والظروف الاستثنائية التي لا يمكن لأي خوارزمية أن تحيط بها. إن الاعتماد المفرط على نظام يتخذ قرارات آلية بناءً على مدخلات محددة يلغي قدرة الموظف العام على استخدام حكمته لتقييم حالة إنسانية فريدة، أو تطبيق روح القانون بدلاً من نصه الحرفي، مما قد يؤدي إلى قرارات “صحيحة” من الناحية الفنية، لكنها ظالمة أو غير منطقية في الواقع الإنساني.
وبصفتي مدربة في مجال الذكاء الاصطناعي والتعليم، أرى يومياً كيف يسهّل الذكاء الاصطناعي العمل ويمنحنا أدوات مفيدة تساعد المعلمين والطلاب على الإنجاز والتطوير. ومع ذلك، أؤمن أن التكنولوجيا يجب أن تكون وسيلة لمساندة الإنسان، لا بديلاً عن خبرته وقراراته، فالأثر الحقيقي يظهر حين يجتمع الذكاء الاصطناعي مع التقدير الإنساني.
يأتي بعد ذلك وهم الحيادية المطلقة وخطر التحيز الخوارزمي الممنهج. من المغري الاعتقاد بأن القرارات الصادرة عن الآلة هي قرارات موضوعية بحتة ومتحررة من الأهواء البشرية. لكن هذه النظرة تتجاهل حقيقة أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تتعلم وتُبنى على بيانات تاريخية، وهي بيانات غالباً ما تكون انعكاساً لتحيزات مجتمعية قائمة بالفعل. وبالتالي، فإن النظام الذي يتم تدريبه على بيانات تاريخية غير متوازنة قد يقوم بإعادة إنتاج وتضخيم تلك التحيزات على نطاق واسع وبسرعة فائقة، ولكن هذه المرة تحت ستار من الشرعية التكنولوجية الزائفة، مما يؤدي إلى تمييز ممنهج ضد فئات معينة في مجالات حساسة كالتوظيف أو الخدمات الاجتماعية أو حتى العدالة الجنائية.
ومع تزايد تعقيد هذه الأنظمة، تبرز معضلة “الصندوق الأسود” التي تخلق فراغاً في المساءلة. ففي كثير من نماذج التعلم العميق، يصبح من الصعب للغاية، حتى على المبرمجين أنفسهم، تفسير السبب الدقيق الذي أدى إلى قرار معين. عندما يتضرر مواطن من قرار صادر عن نظام ذكي غامض، يضيع مبدأ المساءلة الأساسي في الحكم الرشيد. فمن المسؤول؟ هل هو المبرمج، أم الجهة التي وفرت البيانات، أم الموظف الذي نفذ توصية النظام، أم صانع القرار الذي اعتمد النظام في المقام الأول؟ هذا الغموض يقوض حق المواطن في فهم أسباب القرارات التي تؤثر على حياته وفي الطعن فيها بفعالية.
على المدى الطويل، يهدد الاعتماد المفرط بضمور المهارات البشرية الحيوية لدى الكوادر الحكومية. فعندما يعتاد الموظفون والقيادات على تلقي توصيات جاهزة من الأنظمة الذكية، فإن قدرتهم على التفكير النقدي، والتحليل المستقل، وحل المشكلات المعقدة، والتفكير الإبداعي قد تتراجع تدريجياً. هذا “التجريد المهاري” (De-skilling) يخلق جهازاً إدارياً هشاً وشديد الاعتماد على التكنولوجيا، قد يصبح في نهاية المطاف عاجزاً عن إدارة الأزمات غير المتوقعة أو حتى التشكيك في توصية خوارزمية خاطئة، مما يفقد المؤسسة مرونتها وقدرتها على التطور.
وأخيراً، فإن التفاعل مع آلة لاتخاذ قرارات مصيرية يؤثر سلباً على طبيعة العلاقة بين الدولة والمواطن. فالشعور بأن قرارات هامة في حياة الفرد (مثل أهليته للحصول على دعم، أو تقييمه لمخالفة) تتخذها خوارزمية باردة وغير شخصية، يمكن أن يولد إحساساً بالاغتراب والظلم الإجرائي والعجز، حتى لو كانت النتيجة النهائية صحيحة. إن جزءاً من شرعية العمل الحكومي ينبع من الإجراءات العادلة والتواصل الإنساني والقدرة على تقديم مبررات مفهومة، وهي جوانب قد تتآكل في ظل الأتمتة المفرطة.
إن مواجهة هذه التبعات لا تعني رفض التكنولوجيا، بل تتطلب تبني نهج حوكمة أخلاقي يضع الإنسان في مركز السطرة. الحل يكمن في نموذج “الإنسان ضمن الحلقة” (Human-in-the-Loop)، حيث تعمل الأنظمة الذكية كأدوات دعم قوية ومساعدة للموظف العام، وليس كبديل له. يجب أن تكون توصيات الذكاء الاصطناعي قابلة للتفسير والشرح، وأن يتم تدريب الموظفين ليس فقط على استخدام هذه الأنظمة، بل على كيفية تقييم مخرجاتها بشكل نقدي، وتحديها، وتجاوزها عند الضرورة بناءً على حكمتهم وخبرتهم.
وخلاصة القول، إن الابتكار الحقيقي في حكومات المستقبل لا يكمن في استبدال الحكم البشري بالذكاء الاصطناعي، بل في خلق تكامل متطور يجمع بين سرعة وقوة تحليل الآلة مع حكمة وبصيرة وتعاطف الإنسان. إن الاعتماد المفرط على الأنظمة الذكية قد يبدو طريقاً مختصراً نحو الكفاءة، ولكنه يحمل في طياته مخاطر تقويض جوهر الخدمة العامة والمساءلة الديمقراطية. لذا، يجب أن يكون الهدف هو استخدام التكنولوجيا لتمكين الموظفين العموميين وتزويدهم برؤى أفضل، وليس إعفاءهم من مسؤوليتهم الأساسية في اتخاذ قرارات حكيمة وعادلة تخدم الصالح العام.
![]()