هندسة الأولويات بين العمل والحياة بالذكاء الاصطناعي

بـ قلم : أ. د. فريد المالكي

-

دولة الإمارات العربية المتحدة

أصبحت مشكلة الوقت في بيئة العمل الحديثة أكثر تعقيداً من مجرد التأخر في إنجاز مهمة أو ازدحام جدول بالمواعيد. فكثير من الموظفين يبدأون يومهم وهم يعرفون ما المطلوب منهم، لكنهم لا يعرفون بالضرورة ما الذي ينبغي أن يبدأوا به، وما الذي يمكن تأجيله، وما الذي يجب تفويضه، وما الذي يستنزف وقتهم دون أن يحقق قيمة حقيقية.

ومع استمرار تدفق الرسائل والاجتماعات والطلبات العاجلة والتكليفات المتوازية، تتحول قائمة المهام تدريجياً إلى عبء ذهني. وقد ينتهي الموظف من يوم عمل كامل وهو في حالة انشغال مستمر، لكنه يشعر في نهاية اليوم بأن أهم أعماله لم تنجز بعد.

وهنا تظهر المشكلة الحقيقية: ليست كل أزمة وقت ناتجة عن نقص الوقت، بل إن كثيراً منها يبدأ من غياب وضوح الأولويات.

فالموظف قد يمتلك ثماني ساعات للعمل، لكنه يتنقل خلالها بين عشرات المهام الصغيرة، ويستجيب باستمرار لما هو عاجل، بينما تتأخر الأعمال الأكثر أهمية. ومع مرور الأيام تبدأ المهام المؤجلة بالتراكم، ويتحول التأجيل إلى ضغط، والضغط إلى استعجال، والاستعجال إلى أخطاء أو قرارات غير مدروسة، فتظهر حلقة متكررة من تراكم الأعباء يصعب الخروج منها بمجرد استخدام جدول أو قائمة مهام تقليدية.

والأمر لا يتوقف عند باب المكتب.

فالموظف الذي يدخل إلى مقر عمله لا يترك حياته الشخصية خارجه. قد تكون لديه مسؤوليات أسرية، أو دراسة، أو التزامات منزلية، أو مواعيد شخصية، أو مسؤوليات تجاه الأبناء أو الوالدين، أو مجموعة من الأمور الصغيرة المتراكمة التي تشغل جزءاً من تفكيره حتى أثناء العمل.

وفي الاتجاه الآخر، قد يحمل الموظف معه إلى منزله مهاماً لم تنجز، ورسائل لم يرد عليها، وقرارات مؤجلة، واجتماعات اليوم التالي، فيتحول الخط الفاصل بين العمل والحياة إلى مساحة رمادية تستنزف الوقت والانتباه في الجانبين.

لهذا فإن النظرة الحديثة لإدارة الوقت تحتاج إلى الانتقال من مفهوم «تنظيم ساعات العمل» إلى مفهوم أوسع هو «هندسة الأولويات».

هندسة الأولويات تعني أن يتعلم الإنسان كيف ينظر إلى الصورة الكاملة لحياته، ثم يحدد بوعي أين ينبغي أن يذهب وقته وطاقته وانتباهه، بدلاً من أن تفرض عليه الأحداث اليومية ترتيبها الخاص.

فالهدف ليس أن يملأ الموظف كل ساعة من يومه بمهمة جديدة، ولا أن يصبح أسرع في تنفيذ أكبر عدد ممكن من الأعمال، وإنما أن يصبح أكثر قدرة على التمييز بين ما هو عاجل وما هو مهم، وبين ما يحتاج إلى تدخله الشخصي وما يمكن تفويضه، وبين الالتزام الحقيقي والعادة التي يمكن الاستغناء عنها، وبين المهمة الكبيرة والمجموعة الصغيرة من الخطوات التي تؤدي إليها.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر حتى في الطريقة التي تقدم بها الدورات التدريبية التقليدية في إدارة الوقت.

فليس من المنطقي أن يدخل عشرون موظفاً إلى قاعة تدريبية، يحمل كل منهم نمطاً مختلفاً تماماً من المسؤوليات والضغوط والتحديات، ثم يحصل الجميع على الحلول نفسها.

قد تكون مشكلة موظف في كثرة الاجتماعات، ومشكلة آخر في صعوبة رفض الطلبات غير المهمة، وثالث في التأجيل، ورابع في كثرة المقاطعات، وخامس في حمل عدد كبير من المسؤوليات العائلية بالتوازي مع عمله. لذلك فإن التدريب الحقيقي ينبغي أن يبدأ قبل دخول المتدرب إلى القاعة.

ويمكن أن يتحقق ذلك من خلال نموذج تشخيصي قصير يرسَل للمشاركين قبل البرنامج، يساعدهم أولاً على التفكير في واقعهم، ويساعد المدرب ثانياً على فهم أنماط المشكلات الموجودة لدى المجموعة.

ولا يفترض بهذا النموذج أن يطلب من الموظف كشف تفاصيل خاصة أو حساسة عن حياته. بل يمكن تصميمه بطريقة تحترم الخصوصية وتكتفي بتحديد أنماط الضغوط والتحديات: أين يضيع الوقت؟ ما المهام التي تتكرر دون إنجاز؟ متى يشعر الموظف بأعلى ضغط؟ ما الالتزامات خارج ساعات العمل التي تؤثر في قدرته على التخطيط؟ وما نوع المهام التي يجد صعوبة في ترتيبها أو رفضها أو تفويضها؟

ويُفضّل أن تكون الإجابات الشخصية اختيارية وسرية، وأن يستخدم المدرب البيانات لتخصيص التمارين دون تحويل البرنامج التدريبي إلى مساحة للتدخل في خصوصيات المشاركين.

بهذه الطريقة لا تبدأ الدورة بشرح نظريات إدارة الوقت، بل تبدأ من الواقع الفعلي للمشاركين.

يمكن للموظف أثناء البرنامج أن يبني خريطة لأولوياته الحقيقية، وليس قائمة افتراضية أعدها المدرب. ويستطيع أن يضع أمامه مسؤوليات العمل الرئيسية إلى جانب الالتزامات الحياتية المؤثرة في وقته، ثم يعيد ترتيبها وفق الأهمية والأثر والموعد والجهد المطلوب.

وهنا يحدث تحول مهم: لا يعود المنزل منافساً للعمل، ولا يصبح العمل منافساً للحياة الشخصية، وإنما يبدأ الموظف في النظر إلى وقته باعتباره مورداً واحداً يجب أن تتم إدارته بصورة متكاملة.

فإذا كان لدى الموظف اجتماع مهم صباح الثلاثاء وموعد عائلي أساسي مساء اليوم نفسه، فإن التخطيط الجيد لا يبدأ صباح الثلاثاء، وإنما قبل ذلك بأيام من خلال إعادة توزيع بعض الأعمال، وإنجاز المهام التي يمكن إنجازها مسبقاً، وتجنب وضع أعمال مرتفعة التركيز في توقيت غير مناسب.

وهذا بالضبط هو المجال الذي يمكن أن يغير فيه الذكاء الاصطناعي مفهوم إدارة الوقت بصورة كبيرة.

فالأدوات الذكية تستطيع مساعدة الموظف في الانتقال من مجرد تسجيل المهام إلى تحليلها. يستطيع الموظف، ضمن الأدوات المعتمدة والآمنة في مؤسسته، تقديم مجموعة من المهام والمواعيد والأهداف ليطلب من المساعد الذكي مساعدته في تصنيفها، واكتشاف التعارضات بينها، وتقسيم المشروعات الكبيرة إلى خطوات أصغر، واقتراح ترتيب منطقي للتنفيذ، وإعادة تصميم جدول اليوم عند ظهور مهمة طارئة.

كما يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يلعب دوراً مهماً في مقاومة أحد أكبر أسباب تراكم الأعمال: الغموض.

فالإنسان يؤجل أحياناً مهمة ليس لأنها صعبة بالضرورة، بل لأنه لا يعرف من أين يبدأ. وهنا يستطيع المساعد الذكي تحويل عبارة مثل «إعداد التقرير الشهري» إلى سلسلة خطوات واضحة: جمع البيانات، مراجعتها، تحديد المؤشرات، تحليل النتائج، إعداد المسودة، مراجعتها، ثم اعتماد النسخة النهائية.

وبمجرد أن تتحول المهمة من كتلة كبيرة مبهمة إلى خطوات صغيرة قابلة للتنفيذ، يصبح البدء فيها أكثر سهولة.

ويمكن استخدام الذكاء الاصطناعي أيضاً لمساعدة الموظف على بناء سيناريوهات مختلفة ليومه أو أسبوعه. فإذا طرأت مهمة عاجلة، يمكنه أن يسأل: ما الذي يمكن نقله دون التأثير على الأولويات الأساسية؟ وإذا ازدحم الأسبوع بعدد من الاجتماعات، يمكن إعادة توزيع الأعمال التي تحتاج إلى تركيز عميق على الفترات الأكثر ملاءمة.

ولكن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يكون هو من يقرر للإنسان ما هو الأهم في حياته.

فالتكنولوجيا تستطيع ترتيب البيانات، وكشف التعارضات، واقتراح الخطط، لكنها لا تعرف قيمة حضور مناسبة عائلية مهمة بالنسبة للشخص، ولا الأثر الاستراتيجي لمحادثة معينة مع أحد أعضاء فريقه، ولا الظروف الإنسانية التي تجعل أولوية معينة أهم في يوم محدد.

ولهذا فإن النموذج الأكثر نضجاً ليس «الذكاء الاصطناعي يدير وقتي»، وإنما «الإنسان يحدد أولوياته والذكاء الاصطناعي يساعده على إدارتها».

وهذا التحول يفتح الباب أمام جيل جديد من برامج إدارة الوقت لا يقوم على المحاضرة التقليدية، وإنما على التشخيص والتطبيق والتخصيص.

يأتي المشارك إلى البرنامج ومعه صورة أولية عن تحدياته، ثم يحلل طريقة استخدامه للوقت، ويبني خريطة أولويات للعمل والحياة، ويحدد مسببات التراكم والتأجيل لديه، ويتعلم كيفية التعامل مع المهام الطارئة دون تدمير خطته الأساسية، ثم يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي لبناء نظام شخصي يساعده على التخطيط والمتابعة وإعادة ترتيب الأولويات باستمرار.

وفي نهاية البرنامج لا ينبغي أن يغادر الموظف ومعه مجموعة من الشرائح والنصائح فقط، بل مع نظام أولويات شخصي قابل للتطبيق في اليوم التالي مباشرة.

ويمكن أن يتضمن هذا النظام خريطة أسبوعية لأولويات العمل، وخريطة للالتزامات الحياتية الأساسية، وقواعد واضحة لقبول المهام الجديدة أو تأجيلها أو تفويضها، وآلية للتعامل مع الطوارئ، ومساعداً ذكياً يستخدمه الموظف بطريقة آمنة لإعادة ترتيب جدوله عندما تتغير الظروف.

كما يمكن أن يستكمل التدريب بمتابعة قصيرة بعد عدة أسابيع، يعود فيها المشاركون إلى الخطة التي أعدوها ويقارنون بين ما كانوا يعتقدون أنه يستهلك وقتهم وبين ما اكتشفوه فعلياً أثناء التطبيق.

بهذا المفهوم تتحول إدارة الوقت من مهارة مكتبية تقليدية إلى مهارة حياتية ومؤسسية متكاملة.

فالإنسان الذي يعرف أولوياته في حياته يكون أكثر قدرة على تحديد أولوياته في عمله، والموظف الذي يستطيع السيطرة على تراكم مهامه يكون أكثر حضوراً وتركيزاً أثناء أدائها، والمؤسسة التي تساعد موظفيها على إدارة وقتهم وطاقتهم بوعي لا تحقق فقط سرعة أكبر في الإنجاز، وإنما تبني بيئة أكثر استدامة وقدرة على المحافظة على جودة الأداء.

وفي عصر الذكاء الاصطناعي، قد لا يكون السؤال الأهم: كيف نجد وقتاً لإنجاز المزيد؟

بل ربما يصبح السؤال الأكثر قيمة:

كيف نتأكد أننا نمنح وقتنا لما يستحقه فعلاً؟

Loading