الاجتماع الأول لفريق العمل للأمن السيبراني الرقمي

عقدت الوكالة الرقمية في اليابان الاجتماع الأول لفريق العمل المعني بالأمن السيبراني الرقمي، بمشاركة الجهات الحكومية والأعضاء المختصين، بهدف مناقشة الرؤية المستقبلية لليابان في مجالات الأمن السيبراني والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، ورسم توجهات السياسات حتى عامي 2030 و2040. وتركزت المناقشات على كيفية بناء مجتمع رقمي آمن ومتطور لا يُستبعد فيه أحد، وعلى دور الذكاء الاصطناعي والروبوتات في هذا المستقبل، مع التأكيد على ضرورة مناقشة شكل الأمن المطلوب في عصر تصبح فيه التقنيات الذكية جزءًا أساسيًا من الحياة والمجتمع. كما شدد المشاركون على أهمية وجود خارطة طريق واضحة، وجدول زمني معلن، ومتابعة دورية للتقدم من أجل تعزيز الثقة العامة وإثبات فاعلية السياسات لا الاكتفاء بصياغتها نظريًا.

وفي ما يتعلق بالتنافسية الدولية، أشار المشاركون إلى أن اليابان تستطيع الاستفادة من خبرتها في التعامل مع الشيخوخة السكانية والكوارث الطبيعية لتطوير حلول رقمية وأمنية قابلة للتوسع داخل اليابان وخارجها، ولا سيما في دول الآسيان وغيرها. كما أكدوا ضرورة تحديث سياسات الذكاء الاصطناعي باستمرار بالاستناد إلى المقارنات الدولية، وتحديد ما تم إنجازه وما يزال ينقص اليابان على المدى القصير، مع اعتماد نهج مرن يتيح التعديل والاستثمار السريع وفق المتغيرات. واعتبر بعض الأعضاء أن مبادرات الأمن السيبراني الرقمي لا تعزز الحماية فقط، بل ترفع أيضًا قيمة الشركات وقدرتها التنافسية حين تصبح هذه الجهود واضحة أمام الأسواق والمستثمرين.

وفي محور البنية التحتية السحابية والبيانات، طُرحت رؤية مفادها أنه بحلول عام 2030 يجب أن يصبح التحول الرقمي أمرًا اعتياديًا، وأن يصبح الأمن مضمونًا، وأن يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه شرطًا أساسيًا في البيئة الرقمية. أما بحلول عام 2040، فينبغي أن تكون هناك بيئة قائمة على التعاون والمشاركة داخل اليابان وخارجها، بما في ذلك الجامعات، على أساس بنية سحابية حديثة موحدة، مع تطبيق هذه البنية في قطاعات مثل الرعاية الصحية بما يدعم البحث العلمي واكتشاف الأدوية. كما دعت المناقشات إلى تطوير بنية سحابية عالية الأمان تراعي عصر الحوسبة الكمية، وإلى تصميم متكامل للاتصالات والأمن يضمن استمرار الوظائف حتى في أوقات الكوارث.

وأكدت المداولات أن الهدف في عام 2030 لا ينبغي أن يقتصر على “المفهوم والتجريب”، بل يجب أن يصل إلى مرحلة ترسخ استخدام الذكاء الاصطناعي والبيانات فعليًا في الميدان، بما في ذلك الرعاية الصحية والقطاع العام. أما في 2040، فينبغي أن يتحول الذكاء الاصطناعي إلى بنية اجتماعية أساسية عابرة للقطاعات، قائمة على البيانات والثقة، بدلًا من أن يبقى التحول الرقمي محصورًا داخل كل قطاع على حدة. كما شدد المشاركون على أن بناء البنية التحتية للبيانات وحده لا يكفي، بل لا بد من خلق حوافز عملية لتوفير البيانات من خلال حالات استخدام واقعية، وبناء توازن بين البنية التحتية وحالات الاستخدام، خصوصًا في التحول الرقمي الصحي والقطاع العام. وأكدوا أن الحوكمة والأمن وتنظيم البيانات يجب أن تسير معًا حتى يتحقق الاستخدام الفعال والمتقدم للذكاء الاصطناعي.

كما نوقشت أهمية التعامل مع المعنى داخل البيانات، وليس مجرد تخزينها، خاصة في البيانات غير المهيكلة مثل النصوص والصور، حيث رأى المشاركون أن البنية التحتية المستقبلية للبيانات يجب أن تتضمن طبقة دلالية لمعالجة المعاني. وجرى التأكيد أيضًا على ضرورة بناء فضاءات بيانات صناعية تُمكّن من ربط البيانات الموثوقة بين الشركات والقطاعات والدول، لأن البيانات عالية الجودة المتراكمة في الصناعات اليابانية التحويلية والخدمية تُعد موردًا استراتيجيًا لتطوير الذكاء الاصطناعي مستقبلًا. وفي هذا السياق، جرى التشديد على أهمية إظهار الفوائد العملية لربط البيانات من خلال أمثلة واقعية تشجع الشركات، وخاصة الصغيرة والمتوسطة، على المشاركة، مع وضع أنظمة وخدمات ثقة وإرشادات عملية سهلة الاستخدام للقطاع الخاص، إلى جانب تعزيز التوافق مع فضاءات البيانات الخارجية، ولا سيما الأوروبية.

وفي مداخلات أخرى، رُكز على أن أحد معوقات استخدام الذكاء الاصطناعي في الشركات هو عدم نضج البنية الداعمة له، وأن اليابان بحاجة إلى تطوير بنية “ذكاء اصطناعي جاهزة للبيانات” يمكن للشركات المحلية الاستفادة منها بصورة مفتوحة، مع طبقة تمكينية تساعد على تحويل الذكاء الاصطناعي إلى أداة للنمو التجاري. كما أشار الأعضاء إلى ضرورة تطوير إرشادات واضحة تساعد المؤسسات على فهم حدود الاستخدام المقبول للذكاء الاصطناعي، لأن هذا الوضوح شرط لانتشاره. ولفت بعضهم إلى أن التحول الرقمي داخل اليابان لا ينبغي أن يكتفي بتحسين العمليات الحالية، بل يجب أن يتضمن مراجعة شاملة لسير العمل نفسه عند إدخال الذكاء الاصطناعي والروبوتات المادية.

وفي محور الأمن السيبراني، طُرحت رؤية تقول إن عام 2030 يجب أن يشهد انتقالًا من الاستجابات الفردية المتفرقة إلى استجابات مشتركة وتحسين شامل على مستوى المنظومة، بينما ينبغي أن تكون بيئة هذا العمل الجماعي والاستجابة المتكاملة قد ترسخت بحلول عام 2040. ودعا المشاركون إلى وضع إرشادات تحدد الحد الأدنى من الإجراءات الواجب على الشركات اتخاذها، وإلى إقامة إطار شراكة بين القطاعين العام والخاص يوضح بصورة عملية “ما الذي ينبغي فعله”، مع نشر جدول زمني وإظهار مستوى الإنجاز للجمهور دوريًا كل ستة أشهر لكسب الثقة.

كما شدد الأعضاء على أن الاعتماد على القوى البشرية وحدها لم يعد كافيًا أمام الثغرات الخاصة بالذكاء الاصطناعي والهجمات المتقدمة التي تستخدم الذكاء الاصطناعي، ولذلك فإن “الذكاء الاصطناعي لمواجهة الذكاء الاصطناعي” أصبح ضرورة في التدابير الأمنية. ورأوا أن على الحكومة أن تبين للمؤسسات مدى ما ينبغي عليها الوصول إليه، لكن من دون أن تتحول أنظمة الاعتماد إلى قوائم جامدة تعيق التخصيص والمرونة. وفي ضوء تزايد هجمات الفدية، أشار المشاركون إلى الحاجة لتحديد مستوى واضح يقول: “على الشركات أن تقوم على الأقل بهذا القدر من الحماية”، مع تشجيع التعاون بين الشركات الناشئة والكبيرة، وبين القطاعين العام والخاص، وبحث شكل الأمن المثالي في مجتمع محيط ومترابط بحلول 2040.

وتناولت المناقشات أيضًا مسألة الاعتماد المفرط على المنتجات والمنصات الأجنبية في الأمن السيبراني، حيث رأى المشاركون أن ضعف الاكتفاء الذاتي في هذا المجال يؤدي إلى حلقة مفرغة: استخدام منتجات أجنبية قد يفضي إلى تسرب البيانات، ونقص البيانات الحقيقية يحول دون تطوير التكنولوجيا المحلية، فتُبنى المنتجات التي تحلل البيانات اليابانية في الخارج، مما يزيد الاعتماد على الخارج أكثر. لذلك طُرح أن يكون لليابان هدف واضح لرفع نسبة الاكتفاء الذاتي في الأمن السيبراني، مع مراعاة المواءمة مع الدول المتقاربة في التوجهات، واستبعاد الجهات أو التقنيات التي تثير القلق من المشتريات الحكومية وبرامج الدعم. كما نوقش أن الاعتماد فقط على التكنولوجيا الأكثر شهرة في الدول الصديقة ليس ضمانًا كافيًا، لأن هذه التقنيات كثيرًا ما تكون محل دراسة عكسية من المهاجمين، ولهذا فإن استخدام التكنولوجيا المحلية كخط دفاع ثانٍ يُعد خيارًا فعّالًا.

ومن الجوانب المهمة التي أثيرت أيضًا ضرورة تعريف ما الذي يجب حمايته، ومن أي تهديدات، وما مستوى الحماية المطلوب منذ مراحل التخطيط والتصميم والتشغيل، بدل الاكتفاء برد الفعل بعد تقديم الخدمة. ولذلك شدد المشاركون على إدماج التقييم القائم على المعايير الدولية، مثل ISO/IEC 15408، في مراحل مبكرة من تطوير الأنظمة والخدمات. كما أكدوا أن أمن سلسلة التوريد بأكملها يمثل تحديًا رئيسيًا، واقترحوا إنشاء نظام للتحقق من جاهزية الشركاء، وخاصة الشركات الصغيرة والمتوسطة، من خلال التشخيص الأمني والفحوص المبسطة. وفي ضوء الحوادث السيبرانية الأخيرة، طُرحت أهمية مراجعة خطط استمرارية الأعمال، بما فيها النسخ الاحتياطية من خلال أطراف أخرى، على مستوى القطاعات الحيوية التي يعتمد عليها الناس في حياتهم اليومية. كذلك نوقشت ضرورة تبسيط المتطلبات والإجراءات الإدارية حتى لا تُترك الشركات الصغيرة والمتوسطة خلف الركب عند تشديد متطلبات الأمن السيبراني.

وفي جزء آخر من النقاش، تطرق الأعضاء إلى قضايا قطاعية تشمل القطاع العام، والتحول الرقمي الطبي، والقيادة الذاتية وغيرها من المجالات شبه العامة. وأشير إلى أن الجامعات يمكن أن تكون مواقع لتطوير وتجربة التحول الرقمي الطبي إلى جانب التحول الرقمي الحكومي، وأن الرعاية الصحية المستقبلية ستفترض وجود بنية بيانات طبية آمنة قائمة على السجلات الصحية الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، وهو ما يتطلب إعادة بناء هذه البنية على أسس سحابية آمنة وحديثة. كما دعت المناقشات إلى أن تستفيد الحكومة من الأمثلة الدولية لتطوير نموذج الحكومة الشاملة من نقطة واحدة، مع توسيع حالات الاستخدام التي يشعر المواطن معها بفائدة مباشرة، مثل تبسيط إجراءات الوفاة أو تغيير العنوان أو الربط التلقائي بين خدمات مختلفة. وكان التركيز الأساسي أن التحدي الحكومي الحقيقي هو تحسين راحة السكان، وتحقيق تشغيل آمن وموثوق لبطاقة “My Number”، وزيادة القيمة المضافة للخدمات العامة.

وفي ما يخص القيادة الذاتية، رأى المشاركون أن التطبيق المجتمعي الفعلي لهذه التقنية يتطلب اقترانه بإصلاح تنظيمي يحقق قدرًا من التوقع والوضوح، إلى جانب التحقق من أثر السياسات وإمكانية تعديلها أو سحبها بمرونة. وطُرح تساؤل حول ما إذا كانت التجارب الحالية تقود فعلًا إلى تطبيق واسع في المجتمع، خاصة مع التقدم العالمي في الذكاء الاصطناعي المعياري، مع الإشارة إلى إمكانات أكثر واقعية مثل النقل التشاركي العام أو دعم إدخال مستويات معينة من أنظمة القيادة الآلية. كما نوقش التأخر في استخدام البيانات الطبية والصحية الضخمة، بسبب تشتت السجلات والبيانات الصحية ومطالب الخصوصية والفهم المجتمعي، لكن المشاركين أكدوا ضرورة تسريع استخدام هذه البيانات لتقليل الكلفة الاجتماعية وتحسين الكفاءة.

Loading

شارك الخبر :